متابعات

نحن ورهانات العالم الإستراتيجية… إفريقيا حلبة التنافس

تفصح المؤشرات أننا  باستمرار  بمعطيات الجغرافيا السياسية و الإستراتيجية في مواجهة مباشرة مع تحديات ما أفرزته التحولات التي يعرفها عالمنا ، و لقد كنا طيلة مراحل تاريخية في المواجهة بحكم تموقعنا في ما يصل بالبحر و بالصحراء .

و راهنا تستقطب القارة التي ننتمي إليها  من يتنافسون عالميا ، و الاستقطاب وصل إلى درجة وصف أسبوعية المجلة في ملف لها مؤخرا  إفريقيا ب” مصنع العالم …بدلا من الصين “.

و ذلك مرتبط بالتوجه نحو الامتداد و لقد تمكنت الصين من التوسع الذي صار مقلقا للكارتيلات الغربية ، لكن وصل إلى حجم و درجة لا يمكن تجاوزه .

و إفريقيا في مناطق مختلفة من القرن الإفريقي مرورا بالبحيرات إلى الساحل غنية بكل الموارد و هو ما جعلها مستهدفة و حولها إلى مسرح تداخلت فيه الأدوار و تعددت الأقنعة .

في الملف المذكور للمجلة كتب معده    أحمد طاهر:”ليست مبالغة القول إن القارة الأفريقية هى قارة المستقبل الاقتصادية كما يتردد ذلك على الألسن خلال العقدين الماضيين، وهو ما جعل القارة منذ بدايات القرن الحادى والعشرين محط تسابق دولي و إقليمي على كسب مناطق نفوذ داخل أراضيها، سعيا لاستغلال مواردها وكنوزها الطائلة من الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية وكثافتها السكانية العالية. لكن رغم كل ما تملكه القارة  من مقومات عديدة ومتنوعة أوجدت معها كثيرا من الفرص الاستثمارية إلا أنها في الوقت ذاته تواجه تحديات عدة ومتعددة قد تحول دون تعظيم الاستفادة من هذه الإمكانات خاصة فيما يتعلق بمردوداتها على مستويات معيشة شعوبها.

ومع تفشى جائحة فيروس كورونا المستجد، وما شهده العالم اليوم من تحديات فاقت قدرات أكثر الدول تقدما في مواجهة تداعياتها، وكذلك في ضوء حالة الصراع الدولي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب والصين من جانب آخر حول المسؤولية الدولية عن انتشار هذا الفيروس، تلك المسؤولية التي من الصعب في المرحلة الحالية تحديد أبعادها أو حسم جدلها، إلا أنها مثلت حلقة جديدة في مسلسل التنافس الصيني الأميركي على قيادة النظام الدولي.

وإذا كان صحيحا أن الجائحة لم تترك القارة الأفريقية بعيداً عن تأثيراتها وتداعياتها إلا أنها تظل الأقل وطأة في تفشي المرض مقارنة بما جرى في القارة العجوز (أوروبا) أو في الولايات المتحدة أو حتى روسيا التي دخلت على الخط مؤخرًا بارتفاع حالات الإصابة وإن ظلت في مستوى منخفض بالنسبة لحالات الوفيات، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن ما أصاب الصين من تداعيات سلبية ليس فقط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وإنما على مستوى السمعة الدولية التي بذلت الصين جهودا مضنية في تحقيقها خلال الأعوام الماضية، فقد كان من تأثيرات هذا الفيروس أن أصاب جزءاً من الصورة الذهنية الإيجابية التي حاولت الصين رسمها خلال الفترة الماضية ضمن مبادرتها العالمية «الحزام والطريق»،والتي حاولت من خلالها حمل شعارات تنموية من قبيل مجتمع المصير المشترك.

 خطاب غربي جديد

 ولكن هذا المصير المشترك جعل البعض يعيد النظر في المنطلقات الصينية خاصة في ظل دعاية غربية هدفت إلى إفشال المسعى الصيني للصعود إلى قمة النظام الدولي، فقد أسهمت هذه الجائحة – بغض النظر عن المسؤولية الدولية التي تحاول الولايات المتحدة إلصاقها ببكين- في تراجع ما حققته الصين من إنجازات على مدار العقود الماضية، ليبرز خطاب غربي جديد يرى أن أفريقيا قد تكون البديل عن الصين كمصنع للعالم، بحجة أن ما حققته الصين لم يكن إلا بفضل التقدم الغربي الذي استغلته الصين كما برز ذلك في الاتهامات المستمرة حول سرقة الصين لحقوق الملكية الفكرية لكثير من التكنولوجيات الغربية.

 وتنطلق هذه الرؤية الغربية من منطق اقتصادي يرى أن تحقيق التنمية يتطلب توافر معادلة من ستة عناصر رئيسة، هي:

الموارد الطبيعية والمعدنية ومصادر الطاقة، والقدرات البشرية، والتكنولوجيات المتقدمة، ورؤوس الأموال، والموقع الجغرافي، فضلا عن الثقة في المنتجات كبعد إضافي، يعزز من نجاح عملية التنمية في بعدها التسويقي.

وإنه بتطبيق هذه المعادلة سداسية العناصر على الحالة الصينية، يتضح أن ما تملكه الصين يكاد يكون عنصرا واحدا من هذه العناصر هو العنصر البشري المتمثل في قوة بشرية تقدر 1.4 مليار نسمة، في حين أن مستويات امتلاكها من العناصر الأخرى وإن كانت كبيرة نسبيا إلا أنها لا تقارن بما لدى الغرب أو مناطق أخرى في العالم. ومن ثم، ترى هذه الرؤية أن ما حققته الصين لم يكن ليتحقق إلا بفضل جاذبيتها للعناصر الأخرى التي جاءت إليها مستغلة العنصر البشري الذي كان محل اهتمام كبير من قادة الصين لتطوير قدراته وتنمية مهاراته، بما يمكن معه القول إن النجاح الصيني تركز في الأساس في التنمية البشرية، إدراكا منها بأن الإنسان هو أداة التنمية وهدفها معاً، مستفيدة في ذلك من التجربة اليابانية والكورية الجنوبية وإن اختلفت ظروف كل منهما. في حين لا تملك الصين الموارد والإمكانات الطبيعية والمعدنية ومصادر الطاقة التي تمكنها من الاعتماد على الذات، كما أنها وإن كانت بلدا صناعيا وتقنيا، ولكنها ليست بلداً مبتكراً، وتحتاج ربما إلى عقود من الزمن لتصل إلى مرحلة الابتكار المتفوق على الغرب، فضلا عن ذلك أن الثقة في المنتج الصيني لا تزال محل شك مقارنة بالمنتجات الغربية أو حتى الآسيوية (اليابان وكوريا الجنوبية نموذجا).

إجمالا، يمكن القول إن التقدم الصيني رغم المجهود المبذول إلا أنه اعتمد بصورة كلية على التكنولوجيات الغربية، وعلى الموارد والإمكانات الموجودة في المناطق الغنية بها (الخليج وآسيا الوسطى وأفريقيا) وكذلك على الاستثمارات الأجنبية  التي أقامت المصانع والمؤسسات الإنتاجية وساهمت في فتح الأسواق الخارجية، وهو الأمر الذي إذا ما قورن بما تملكه القارة الأفريقية نجد أن القارة إذا ما أصبحت مصنعا للعالم تتمتع بمزايا تنافسية مقارنة بالصين، حيث تتوافر الموارد والإمكانات، والموقع الجغرافي في قلب العالم بما أكسبها مزايا جيواستراتيجية، فضلا عن الكثافة السكانية وإن كان معظمها يفتقر إلى التعليم والتدريب، بما يجعل من الرؤية المنادية بالتوجه إلى القارة الأفريقية أقرب إلى تحقيق مصالحها التي تتفق في ذات الوقت مع المصالح الوطنية لدول القارة، بل ما قد يعزز هذه الرؤية هو التوجه الصيني ذاته إلى القارة الأفريقية وتأسيس كثير من المصانع والشركات، إذ ارتفع حجم الاستثمارات الصينية من 5 مليارات دولار عام 2006 إلى 40 مليار دولار في عام 2015. وفي القمة الصينية الأفريقية المنعقدة في سبتمبر (أيلول) 2018 في بكين، أعلن الرئيس الصيني عن حزمة تمويل جديدة بقيمة 60 مليار دولار، 50 مليار دولار من مؤسسات التنمية الصينية، و10 مليارات دولار أخرى في الاستثمار من الشركات الخاصة.

ومن نافلة القول إن الرؤية المنادية بالتوجه إلى القارة الأفريقية بديلا للصين كمصنع للعالم تأتي في إطار ما تشهده الساحة العالمية اليوم من صراع بين قطب يحاول الاحتفاظ بانفرادية قيادته عالميا بالتعاون مع حلفائه، وبين أقطاب أخرى تسعى لأن تغير من طبيعة النظام الدولي ليصبح نظاما تعدديا، ويقصد بها تحديدا الصين في صعودها وروسيا في عودتها. ولذا، تنطلق الاستراتيجية الغربية من ضرورة الحد من هذا الصعود أو العودة، إذ إنه قد سبق هذه الجائحة خوض الولايات المتحدة حربا تجارية ضد الصين في محاولة لعرقلة استمرار معدلات نموها التي قد تمكنها مع حلول المئوية على تأسيسها وتحديدا عام 2049 من أن تصبح قطبا اقتصاديا عالميا والذى سيتحول بلا شك إلى قطب سياسي وعسكري خاصة في ظل التوجهات العسكرية الصينية التي بدأت في بناء قواعد عسكرية خارج حدودها كما حدث في جيبوتي 2017 وفي بعض مناطق جوارها الجغرافي، الأمر الذي يكشف عن نية صينية حقيقية لأن تتبوأ مكانة دولية تتناسب مع قدراتها الاقتصادية والعسكرية وبالتبعية السياسية كعضو دائم العضوية في مجلس الأمن ولديها حق الفيتو، وهو ما تعارضه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب“.

 محمد بن زيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق