تقارير أممية واستخباراتية تفضح الإمارات… عندما تنحسر رواية البراءة
من دعم الجماعات المسلحة إلى التزييف بالذكاء الاصطناعي

لم يعد ضلوع الإمارات في الحرب في السودان مجرّد اتهامات سياسية أو تسريبات صحفية، ولكنه يترسخ كحقيقة واقعة تفضحها يوماً بعد يوم تقارير أممية وحقوقية واستخباراتية، تكشف الوجه الخفي للإمارات ودورها في إشعال فتيل النزاعات في إفريقيا وإطالة أمد الصراعات خدمة لمصالحها وتقوية لنفوذها.
هذه التقارير التي تتقاطع حول مسؤولية نظام أبو ظبي في تغذية الحروب والصراعات في الإقليم العربي والإفريقي مقابل غض الطرف عن قضايا عادلة دفعت بالقائمين على شؤون هذا البلد إلى محاولة وأد الحقيقة وتزوير المعطيات، فبعد توثيق تقرير أممي التورط الإماراتي في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 والتي أودت بحياة أكثر من مئتي ألف شخص وتشريد أكثر من 12 مليون شخص وانتشار المجاعة مشكّلة أخطر أزمة إنسانية في العالم، نشرت شركة “أنثروبيك” الأمريكية للذكاء الاصطناعي تقريراً تثبت فيه عملية خبيثة على ارتباط بالإمارات العربية المتحدة استهدفت بصورة خاصة خبراء من الأمم المتحدة ينتقدون أبوظبي لدورها في الحرب في السودان.
عملية خبيثة لتزوير الحقائق
ويكشف تقرير “أنثروبيك” كيف لجأ مسؤولون إماراتيون إلى استخدام نموذجها للذكاء الاصطناعي “كلود” لتوليد مستندات مختلفة ومحتوى منشور على منصات التواصل الاجتماعي، وشهادات حول السودان، حيث عمد هؤلاء إلى انتحال صفة منظمة غير حكومية سودانية وصياغة إفادة شخصين من أجل إيصال عناصر تدعم مصالح أحد طرفي النزاع إلى الأمم المتحدة وكأنها صادرة عن شهود محليين مستقلين وليس عن أطراف حكومية، وإعداد ملفات بهدف إضعاف موقع مقرري الأمم المتحدة الذين انتقدوا دور أبوظبي في السودان.
وحشدت الإمارات لعمليتها التي تدخل في إطار الأنشطة الخبيثة نحو 300 حساب زائف على شبكات التواصل الاجتماعي وإنشاء منظمة غير حكومية واجهة، وإعداد شهادات بأسماء مستعارة لتقديمها إلى الأمم المتحدة، فضلاً عن جمع ملفات عن سياسيين وصحفيين ومسؤولين أمميين أوروبيين.
تقرير “أنثروبيك” الجديد ليس سوى دليل جديد يدحض مزاعم البراءة التي يدعيها نظام أبو ظبي العاجز عن إخفاء تورطه في مستنقعات الحروب والصراعات في إفريقيا من خلال الدعم المالي والعسكري واللوجستي على غرار ما يفعله في السودان لتقوية شوكة الدعم السريع وإطالة أمد الحرب، حيث استغلت منظمات حقوقية في ألمانيا زيارة رئيس الإمارات إلى برلين مؤخراً للتحرك للاحتجاج تنديداً بالدعم المالي والعسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع تحت شعار “السودان: لا صفقات مع داعمي الحرب”.
وقالت منظمة “جمعية الشعوب المهددة” الألمانية، التي نظمت الاحتجاج الخميس الماضي، إن الإمارات تقدم دعماً مالياً وعسكرياً لهذه القوات وإن هذا الدعم الواسع يمكّنها من مواصلة النزاع بأقصى درجات العنف ضد المجتمع المدني في السودان، وفق ما أوردته صحيفة “دي فيلت” الألمانية. وهو نفس ما ذهبت إليه المنظمة الحقوقية “هيومن رايتس ووتش”، والتي دعت هي الأخرى المسؤولين الألمان إلى إثارة الدور الإماراتي في السودان خلال لقاء رئيسها في برلين. واستندت المنظمة في مطلبها على معطيات بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، التي فضحت الإمارات في تقرير نشرته في 1 سبتمبر/أيلول 2026 وثق شبكات خارجية توفر لقوات الدعم السريع الأسلحة والمعدات العسكرية والتدريب والدعم اللوجستي والمقاتلين. وقالت البعثة إن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت دوراً مهماً في شبكات التجنيد والتمويل والنقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب وتوفير دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع.
“هيومن رايتس ووتش” قالت إن شركة “غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب” التي تأسّست عام 2016 على يد الأمين العام للمكتب الرئاسي الإماراتي، أحمد محمد الحميري، وتتخذ من أبو ظبي مقراً لها، جندت منذ عام 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين نشروا في السودان إلى جانب قوات الدعم السريع، ودعت المنظمة دول الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في دور الشركة ورئيسها التنفيذي، مع التأكيد على ضرورة فرض حظر أوروبي على الأسلحة الموجهة إلى الإمارات وإدانة دعمها لقوات الدعم السريع.
ويتصل هذا الدعم كذلك بالموارد المالية التي تغذي النزاع في السودان، إذ فضحت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، كيف تغذي دولة الإمارات الصراعات على نحو يُزعزع استقرار إفريقيا. ويكشف التحقيق البريطاني أنّ الإمارات العربية المتحدة اضطلعت بدور نشط في زعزعة استقرار عدد من الدول الإفريقية، وأنها تواصل تغذية الصراعات في القارة، من خلال شبكة إقليمية لتجنيد ونقل وتدريب المرتزقة تديرها أبو ظبي.
عندما تطمح دولة صحراوية صغيرة إلى السيطرة على المنطقة بأسرها..
ويشير التحقيق إلى أن الشبكة تمتد من كولومبيا إلى الإمارات، ثمّ إلى بوصاصو في الصومال والكفرة في ليبيا، وصولاً إلى نيالا والفاشر في السودان. التحقيق استند إلى شهادات مقاتلين سابقين شاركوا في نزاعات تنشط فيها هذه الشبكة وسجّلات سفر وبيانات رقمية وصور ووثائق أخرى مرتبطة بهذا النشاط. وقالت الصحيفة إنّ “هذه الدولة الصحراوية الصغيرة”، كثفت بوتيرة لافتة استثماراتها ونفوذها ومعداتها العسكرية في مناطق عدّة من إفريقيا. وتحت قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، المعروف اختصاراً بـ “إم بي زد”، تهدف الإمارات لاستغلال التجارة والموارد استعداداً لمرحلة ما بعد النفط.
وقال وزير الإعلام الإريتري، يماني غبريمسكيل، إنّ مشكلة الإمارات في إفريقيا تكمن في “طموحها غير المبرر للسيطرة على المنطقة بأسرها”. وأشار إلى أنّ ذلك بدأ بالسيطرة على مجموعة من الموانئ الثانوية في شرق إفريقيا قبل أن يتحول إلى استعراض للقوة واستغلال للموارد. وفي القرن الإفريقي، ولا سيما شرق القارة، أشارت الصحيفة إلى أنّ الإمارات أبرمت شراكات مع جماعات مسلحة غير حكومية، وقدّمت الأسلحة لتلك الجماعات، فيما ارتبط نشاطها أيضاً بتجارة الذهب غير المشروع.
وفي السياق، تشير تقديرات منظمة “سويس إيد” السويسرية المعنية بالتنمية، إلى أن نحو 30 مليار دولار من الذهب يُصدّر سنوياً من إفريقيا إلى دبي دون التصريح عنه. وأن الإمارات كانت الوجهة الرئيسية لعمليات تهريب الذهب من أفريقيا، إذ استقبلت 405 أطنان عام 2022، وتلقت، خلال العقد الماضي، أكثر من 2500 طن من الذهب المهرب، بقيمة إجمالية تتجاوز 115 مليار دولار. وأفادت “فايننشال تايمز” أنّ كميات كبيرة من الذهب جرى نهبها من السودان لصالح الإمارات، واصفة ذلك بأنّه “أحد أكبر عمليات نهب الذهب في التاريخ”.
وكان مسؤول رفيع المستوى في دولة من غرب إفريقيا طلب المسؤول المذكور عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام قد صرح بأنّ الإمارات، وخصوصاً أبو ظبي، “تدخلت سلباً في السياسة الإفريقية”. وفي السياق، يرى الأكاديمي الإثيوبي، مهاري تادلي مرو، أنّ النفوذ الإماراتي لدى القوى الغربية تراكم بفضل تحالف مشترك مع الكيان الصهيوني. وذلك إلى جانب استثمارات عائدات النفط وممارسة ضغط مكثف عبر جماعات الضغط، ممّا مكّن أبوظبي من “التصرف كما تشاء في إفريقيا”.
دبلوماسية الفوضى وتمويل الحروب …
وتقول “فايننشال تايمز” إن عدداً كبيراً من المجنّدين الذين نقلوا إلى السودان أكدوا أن “غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب” (GSSG)، تولّت نقلهم وتشغيلهم. وجاء في التحقيق أنّ المجموعة الأولى من الكولومبيين وصلت إلى السودان في أكتوبر 2024. وكانت مهمتها إقامة ممرّ لوجستي لتأمين الإمدادات عبر شرق ليبيا وصولاً إلى دارفور. وقال أحد المرتزقة السابقين، يدعى مانويل، إنّ الإمارات كانت تموّل الحرب وتوفّر الأسلحة لقوات الدعم السريع. وأكّد أنّ أبوظبي هي الجهة التي تضخّ أكبر قدر من الأموال والموارد في هذا الصراع.
ونشرت الصحيفة رسالة للمستشار السياسي في مجلس السيادة الانتقالي السوداني، أمجد فريد الطيب، قال فيها إن الإمارات مكنت بنية تجارية تسهل تهريب وغسل عائدات الذهب السوداني، وإن الإيرادات الناتجة عن هذه الشبكات يمكن أن تتحول إلى موارد تساعد قوات الدعم السريع على مواصلة الحرب. ودعّم رسالته بتصريح آخر قال فيه إن الإمارات عملت على تعطيل إحالة تقرير أممي بشأن السودان إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، وهو التقرير الذي يتضمن وثائق وأدلة بشأن الدعم المقدم لقوات الدعم السريع، مؤكداً أن أبو ظبي عملت على منع انتقال التقرير إلى المسار العقابي داخل الأمم المتحدة.
وتضيف هذه التصريحات بعداً آخر إلى الانتقادات الموجهة للدور الإماراتي في النزاع، إذ لا تقتصر، وفق ما أورده المسؤول السوداني، على الدعم الذي تستفيد منه قوات الدعم السريع، بل تمتد إلى مناورات وتحركات داخل المؤسسات الدولية لمنع اتخاذ إجراءات بشأن ما يورده التقرير الأممي من معلومات حول شبكات الإسناد المرتبطة بالحرب.
ويلقي التقرير الأممي الذي يحمل عنوان “تأجيج النزاع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي”، الضوء على كيفية عمد كيانات عابرة للحدود الوطنية تنشط في عدد من البلدان إلى تجنيد أفراد أجانب وتدريبهم ونشرهم لدعم قوات الدعم السريع، فضلاً عن تيسير نقل الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي.
وخلصَ التقرير إلى “وجودِ أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأنّ كيانات خاصة ووسطاء لوجستيّين ومجنِّدين يعملون انطلاقاً من بلدان، من بينها الإمارات العربية المتحدة، استخدمت نقاط عبور لتيسير إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع في السودان”. وأضاف أنّ “الموردين الأجانب عزّزوا إلى حدٍّ كبير قدرات قوات الدعم السريع وشملت الهجمات الموثّقة بالطائرات المسيّرة ضربات نفّذتها قوات الدعم السريع في كالوقي بولاية جنوب كردفان وأسفرت عن مقتل 114 شخصاً، بينهم نحو 60 طفلاً”.
قائد أوركسترا الأزمات والصراعات…
وفي مقال رأي نشره المحلل ديفيد هيرست صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية لخص كيف تحولت الإمارات إلى قائد أوركسترا الصراعات. وأشار إلى أن الإمارات التي وصفها بفاعل الفوضى تقف وراء “حالة حرب دائمة في الشرق الأوسط” سعيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي بالاعتماد على وسائل تدخل أكثر تحفظاً وغير مباشرة منها وسائلها المالية وقدراتها الجوية وشبكات حلفائها وفاعليها المحليين بشكل أقل من اعتمادها على الوجود العسكري التقليدي، والاعتماد على منطق انخراط دائم في الأزمات والصراعات الإقليمية والأفريقية.
ويقول ديفيد هيرست إن الإمارات فاعل يرتكز على ثلاث آليات رئيسية: الدعم اللوجستي الجوي، وتزويد الجماعات الحليفة بالمعدات العسكرية، واستخدام فاعلين محليين غير حكوميين في البلدان التي تستهدفها، وذلك كامتداد لسياستها الخارجية؛ غير أنها (أبوظبي) لا تقتصر على التدخل العسكري غير المباشر، بل تطور أيضاً “استراتيجية نفوذ دولي” تقوم على الموارد المالية والتواجد في القطاعات الاقتصادية والرياضية والثقافية. واستشهد الكاتب في تحليله ببعض البلدان التي تورطت فيها الإمارات عبر تنظيم انقلابات عسكرية وافتعال أزمات وصراعات، على غرار ما يحدث في اليمن والسودان. ويرى ديفيد هيرست أن هذا المزيج بين القدرة المالية والتلاعب الدبلوماسي والتدخلات غير المباشرة يسمح لأبو ظبي بلعب دور يفوق بكثير حجم هذه الدولة الصغيرة. ويضيف أن الإمارات “متواطئة في جرائم حرب بتحالفها مع الكيان الصهيوني في وقت ترتكب فيه إبادة جماعية في غزة والضفة الغربية المحتلة”.
ق/ح




