
في زمن أصبحت فيه الصور تُلتقط في ثوانٍ وتُستهلك في ثوانٍ أخرى، هناك من اختار أن يمنح للصورة معنى مختلفًا، وأن يجعل منها وسيلة للتوثيق والمعرفة والحفاظ على ذاكرة الطبيعة. من بين هؤلاء يبرز اسم “زكرياء براهيمي”، ابن مدينة المشرية بولاية النعامة، الذي اختار أن يوجه عدسته نحو عالم آخر، عالم الحياة البرية بما يضمه من حيوانات وطيور وزواحف وكائنات تعيش بعيدًا عن صخب المدن.
رحلات زكرياء إلى البراري ليست مجرد نزهات بحثًا عن صورة جميلة، فالوصول إلى اللقطة المناسبة قد يستغرق ساعات طويلة من الانتظار والمراقبة، وأحيانًا أيامًا من البحث. خلف كل صورة ناجحة قصة، وخلف كل لقطة نادرة معرفة بسلوك الحيوان ومحيطه ومكان وجوده وتوقيت نشاطه.
- من هواية التصوير إلى شغف بتوثيق الطبيعة
بدأت الحكاية من شغف بالتصوير، قبل أن يتوسع الاهتمام تدريجيًا ليصبح ارتباطًا خاصًا بالطبيعة والحياة البرية. فالمصور الذي يختار هذا المجال لا يكتفي بمعرفة كيفية تشغيل الكاميرا أو اختيار زاوية التصوير، بل يحتاج إلى فهم البيئة التي يعمل فيها، والتعرف على الكائن الذي يسعى إلى تصويره، ومراقبة سلوكه دون التأثير فيه.
ويعمل براهيمي على توثيق مختلف أشكال الحياة البرية، من الطيور الجارحة والطيور المقيمة والمهاجرة، إلى الثدييات والزواحف وغيرها من الكائنات التي تزخر بها مناطق الجنوب الغربي الجزائري.
وهنا تكمن خصوصية تجربته؛ فالصورة بالنسبة إليه ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة للتعريف بالتنوع البيولوجي الذي تختزنه المنطقة، وإبراز كائنات قد لا يعرف الجمهور الكثير عنها.
- لقطة واحدة قد تتطلب ساعات من الانتظار
قد تبدو الصورة النهائية بسيطة للمتلقي، غير أن الوصول إليها غالبًا ما يكون أصعب بكثير مما توحي به. ففي الحياة البرية لا يمكن التحكم في الموضوع أو تحديد موعد ظهوره، كما هو الحال في الاستوديو.
المصور مطالب بأن يكون صبورًا، هادئًا، دقيقًا، وأن يعرف متى ينتظر ومتى ينسحب. كما أن معرفة أماكن تواجد الحيوانات، ومواعيد نشاطها، وفترات التكاثر والهجرة، وطبيعة غذائها، تساعد المصور على تحديد المكان والوقت المناسبين.
وتصبح المراقبة جزءًا أساسيًا من العمل؛ فكل حركة قد تكون مؤشرًا على اقتراب الحيوان، وكل صوت قد يكشف عن وجود طائر في مكان غير ظاهر للعين.
- عندما تلتقي الصورة بالبحث العلمي
تكتسب تجربة زكرياء أهمية أكبر من خلال ارتباطها أيضًا بالجانب العلمي. فقد شارك اسمه في أعمال ودراسات ميدانية تناولت الحياة البرية في الجنوب الغربي الجزائري، من بينها أعمال مرتبطة بدراسة النسر الذهبي، إضافة إلى دراسة تناولت تنوع الطيور في الحديقة الوطنية لجبل عيسى بولاية النعامة.
وتكشف هذه المشاركات عن جانب مهم في تصوير الحياة البرية الصورة يمكن أن تتحول إلى وثيقة يستفيد منها الباحثون والمهتمون بالبيئة، خصوصًا عندما تكون مصحوبة بمعلومات دقيقة حول المكان والزمان والنوع والسلوك.
فالعدسة هنا لا تعمل بمعزل عن الملاحظة الميدانية، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من عملية أوسع لفهم الأنواع ومتابعة انتشارها وتوثيق وجودها في بيئاتها الطبيعية.
الجنوب الغربي.. ثروة طبيعية لا تزال بحاجة إلى الاكتشاف
يمتلك الجنوب الغربي الجزائري تنوعًا طبيعيًا لافتًا، تمتد فضاءاته من المناطق السهبية إلى المناطق الجبلية والصحراوية، وتوفر هذه البيئات موائل لمجموعة متنوعة من الكائنات.
ولاية النعامة، بما تضمه من فضاءات طبيعية ومناطق جبلية وسهبية، تمثل بدورها مجالًا مهمًا لمراقبة الحياة البرية. غير أن كثيرًا من هذه الثروة يبقى بعيدًا عن أعين الجمهور، ولا يظهر إلا من خلال جهود المصورين والباحثين والمهتمين بالبيئة.
ومن هنا تبرز أهمية التوثيق البصري، لأنه يسمح بنقل هذه المشاهد من البرية إلى الجمهور، ويجعل المواطن يرى ما قد لا تتاح له فرصة رؤيته مباشرة.
- الفهد الصحراوي.. صورة نادرة تكشف هشاشة الحياة البرية
ومن بين الوقائع التي سلطت الضوء على نشاط براهيمي في مجال الحياة البرية، تعامله مع حالة مرتبطة بالفهد الصحراوي في أقصى جنوب الجزائر، وهو من أكثر الحيوانات ندرة وحساسية في المنطقة.
مثل هذه الحالات تكشف أن عمل موثقي الحياة البرية لا يرتبط فقط بالصور الجميلة، وإنما قد يضعهم أمام مشاهد صعبة ومؤشرات مقلقة حول وضع بعض الأنواع، وهو ما يجعل التوثيق وسيلة لرفع الوعي بأهمية حماية الحيوانات وموائلها.
- المصور أمام مسؤولية أخلاقية
تصوير الحيوان في بيئته الطبيعية يفرض على المصور مسؤولية تتجاوز الجانب الفني. فالسعي وراء لقطة نادرة لا ينبغي أن يتحول إلى إزعاج للحيوان أو الاقتراب منه بطريقة تؤثر على سلوكه، خصوصًا خلال فترات التكاثر أو رعاية الصغار.
ولهذا فإن احترام المسافة، وعدم مطاردة الحيوانات، وتجنب كشف مواقع الأنواع النادرة بشكل قد يعرضها للخطر، كلها مبادئ تكتسب أهمية خاصة في هذا النوع من التصوير.
وتتحول الكاميرا، في هذه الحالة، من أداة لالتقاط الصور إلى وسيلة للتعامل المسؤول مع الطبيعة.
- من المشرية إلى فضاءات الجنوب الغربي
من مدينة المشرية، يواصل زكرياء براهيمي شغفه الذي قاده إلى فضاءات مختلفة من الجنوب الغربي الجزائري. وفي كل رحلة، لا يبحث فقط عن لقطة جديدة، وإنما عن قصة أخرى ترويها الطبيعة.
قد تكون القصة لطائر يحلق فوق جبل، أو زاحف يختبئ بين الصخور، أو حيوان نادر يظهر للحظات قبل أن يختفي من جديد. وبين هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل أرشيفات بصرية مهمة يمكن أن تساهم مع مرور الوقت في حفظ ذاكرة الحياة البرية في المنطقة.
- الصورة كرسالة للحفاظ على الطبيعة
تكمن قيمة هذا النوع من التصوير في قدرته على جعل الجمهور قريبًا من عالم بعيد عنه. فالصورة التي تظهر حيوانًا في موطنه الطبيعي قد تثير الفضول، لكنها قد تفتح أيضًا بابًا للتساؤل: أين يعيش؟ ماذا يأكل؟ هل ما زال موجودًا بأعداد كبيرة؟ وما الذي يهدد بقاءه؟
وهنا تتحول الصورة إلى رسالة بيئية، خصوصًا عندما تُقدّم ضمن سياق معرفي صحيح.
وتؤكد تجربة زكرياء براهيمي أن ولاية النعامة لا تزخر فقط بالموروث التاريخي والثقافي، وإنما تمتلك كذلك رصيدًا طبيعيًا يستحق مزيدًا من الاهتمام والتوثيق والتعريف.
وبين عدسة المصور وملاحظات الباحث واهتمام المهتم بالبيئة، تتشكل صورة أخرى للجنوب الغربي الجزائري؛ صورة لا تكتفي بإظهار جمال المكان، وإنما تكشف أيضًا عن عالم حي يحتاج إلى أن نفهمه ونحترمه ونحافظ عليه.
زكرياء براهيمي، ابن المشرية، اختار أن يجعل من عدسته عينًا مفتوحة على هذا العالم. وفي زمن تختفي فيه كثير من التفاصيل خلف سرعة الحياة، تبقى الصورة التي توثق كائنًا في موطنه الطبيعي شهادة على وجوده، وعلى ثراء أرض تستحق أن تُكتشف قبل أن تضيع بعض أسرارها.
خريص الشيخ




