قضايا

مواجهة كورونا معركة الجميع… فعالية الآليات وانضباط  السلوك وصرامة التنفيذ

انتشار الفيروس يعتبر هاجس و كابوس البشرية في هذه السنة التي تختم العقد الثاني من الألفية الثالثة . انتشار تتوالى التحذيرات منه ، و الكل  معني بالانخراط في معركة دفع الفيروس و التصدي له .المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس قال  : “اسمحوا لي أن أكون فجاً في صراحتي.. عدد أكثر مما ينبغي من الدول يسير على الطريق الخاطئ والفيروس لا يزال العدو العام رقم واحد “و  “إذا لم يتم إتباع التدابير الأساسية، فإن السبيل لوحيد لهذا الوباء هو التحول للأسوأ والأسوأ. لكن لا ينبغي أن يكون هذا هو الحال “.

 ولقد عبر الرئيس  في مناسبات مختلفة  عن تسخير كل ما يمكن لمواجهة الفيروس و عزز ذلك بتدابير اعتراف بجهد و دور عناصر المنظومة الصحية ، و خلال زيارته لولاية سيدي بلعباس قال الوزير الأول، عبد العزيز جراد   : “يجب التحلي بالصرامة في تطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة كوفيد-19 وعلى المواطنين احترام هذه القوانين” .

و في إطار التدابير المتخذة عيّن   رئيس الجمهورية بعد استشارة الوزير الأول، البروفيسور إسماعيل مصباح وزيرا منتدبا لدى وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، مكلفا بإصلاح المستشفيات .و لقد جاء التعيين في ظرف عرفت فيه المستشفيات وضعا يستدعي إعادة الضبط و التخطيط وفقا للمعطيات و المستجدات .

 و ذلك التوجه و التوجيه أكده الدكتور صالح لعور عبد الحميد رئيس النقابة الوطنية للأطباء العامين ورئيس الجمعية الوطنية للتكوين المتواصل في تصريح للقناة الإذاعية الأولى، أنه يجب التفكير في مواجهة انتشار الوباء من خلال تضافر جهود جميع القطاعات المعنية، على غرار قطاعات الداخلية، البيئة، التربية ،الاتصال وإشراك جميع الفاعلين من مثقفين وفنانين وأئمة، و”ليس الاقتصار فقط على قطاع الصحة ، مع التفكير في الحلول الملائمة ووضع إستراتيجية للحد من انتشار الوباء “.

المعركة ، معركة الجميع و انطلاقا من ذلك ينبغي أن يتم استيعاب الحقائق و الحيثيات للتمكن من بلورة آليات ناجعة و فعالة . هي ليست قضية طبية فقط ، إنها قضية اجتماعية أساسا و هو ما يشير إليه  الخبير في أنتروبولوجيا الصحىة، محمد مبتول

  :”يجب أن نخرج بسرعة من المركزية الاستشفائية التي أدركت حدودها بعد أن كشفت عن اكتظاظ أكبر مستشفياتنا، والإنهاك الذي أصاب الأطباء وهم يدفعون ثمن عزلتهم، ونقص الإمكانيات التقنية، وتنظيم بيروقراطي لنظامنا الصحي. بالإضافة إلى ذلك، إن تركيز الاتصال الرسمي على الجانب البيولوجي والقواعد التي يتعين تنفيذها أمر ضروري، ولكنها ليست كافية. إن وباء كوفيد 19 له بعد مجتمعي قوي وعميق ومتنوع حسب تنوع الفئات الاجتماعية. لذلك، لا يمكن الاستهانة بالبعد الاجتماعي والنفسي للمرض. ولا بد لنا من النظر إلى المجتمع كما هو بعراقيله وظروفه المعيشية وتطلعاته وصمته وجراحه المعنوية والرموز التي يستعملها للتعبير عن الألم. لا يمكن تغيير المجتمع بمرسوم. لا مناص من الاستماع إلى الممارسات الاجتماعية للأشخاص المتجذرين في تاريخ اجتماعي عميق جبلته المعاناة والمحن من كل أشكال. فالمجتمع لا يسير مثل جرة فارغة يجب ملؤها بالمواقف والمعارف حتى تعود الأمور إلى نصابها. إنه أكثر تعقيدًا من ذلك! ننسى أن أي مجتمع ينتج خيالًا، ويكوّن كل يوم تمثيلات اجتماعية مختلفة وكلها تفسيرات للإحساس بالخطر، وهو ليس نفس الإحساس الذي ينتجه الطب” .

  و ما قاله الخبير الأنثربولوجي ، يعيد طرح محاور لها صلة بتسيير السياسة الصحية و هو ما توقف عنده   قائلا :” المجتمع وقع منذ عقود في قبضة النموذج العلاجي الذي يولي الأهمية القصوى للدواء والأفعال الطبية الفورية والتقنية الطبية، والألم العضوي، ونسي الوقاية الاجتماعية الصحية التي تعتبر علاقة اجتماعية ترتكز على الاستماع والاعتراف الاجتماعي بالآخر والتضامن والمسؤولية الجماعية والإقناع والاقتراب الاجتماعي، وليس الجغرافي فقط بين المهنيين الصحيين والمرضى .

في أي نظام وقائي معترف به، يتغير وضع المرضى. فهم ليسوا مرضى مجهولين أو متميزين، وإنما يتمتعون بمكانة المواطنين المستخدمين الذين لديهم القدرة المعترف بها على المشاركة بفعالية في عملية العلاج، مما يقتضي ضمنيًا دمقرطة نظام العلاج، وليس بيروقراطية تمحو كل ديناكية صحة اجتماعية أفقية. ترتكز الوقاية الصحية الاجتماعية على التفاعل الديناميكي والمناقشة. تعطي مدلولا مفيدا لمفهوم الخطر الذي تعترف به وتستوعبه مختلف الفئات السكانية. لأن استيعاب ثقافة الخطر ليس فقط مهمة طبية، بل هي أيضا مهمة اجتماعية وسياسية “.

و الأمر مرتبط أيضا بالاتصال ، فضعف الاتصال يؤثر على فعالية أية تدابير ، بل قد يضاعف التردي و التدهور ، و هو ما تم رصده حتى عالميا  من انقلاب التعلق بالخبراء و العلماء إلى تذمر و تشكيك نتيجة ما كان من تصريحات .

لقد أدى استمرار الفيروس  إلى التشكيك في العلم و في الخبراء ، و هذا ما توقفت عنده ماري لومبير-شان رئيسة تحرير مجلة علمية كندية، و مما ورد في مقالها الذي لخصه الأستاذ أبو بكر خالد سعد الله :”يجب على المؤسسات العلمية (الجامعات، مراكز البحوث، الهيئات الممولة،…) إتاحة الفرصة لهؤلاء الخبراء للتدرب على سبل التواصل ومخاطبة الجمهور بشكل أفضل خلال الأزمات. أما السياسيون فهم مطالبون بتحمل مسؤولية قراراتهم والتوقف عن استخدام رجال العلم كدرع واق من غضب المواطن عندما يصرحون بأن تلك القرارات مطابقة لما يمليه عليهم العلم وأصحابه. ذلك أن قراراتهم تظل في مطلق الأحوال قرارات سياسية، حتى لو كانت مستوحاة من المشورة العلمية… علما أن الآراء العلمية متعددة ومتضاربة أحيانا .

وقد قرأنا عام 2005 في مجلة مختصة في علم الأوبئة نصًا جاء فيه : “العلم الجيّد لا يضمن دائمًا سياسة جيّدة. كما أن العلم السيّئ، أو غياب العلم، لا يؤدي بالضرورة إلى سياسة سيئة. […] علينا أن ندرك بأن العلم ضروري للمساعدة على بناء القرارات السياسية، وضروري أيضا لتقييمها “.

وتنهي ماري لومبير-شان مقالها بالتأكيد على أن السماء لا تُمطر علمًا… ذلك أن العلم يمثل في آخر المطاف، مجموع أعمال متواصلة ومتسلسلة لكافة العلماء الساعين إلى خدمة الصالح العام. ولذا من واجبنا الاحتفاء بإنجازاتهم بدل مضايقتهم والتشويش عليهم“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق